الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

244

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تعليم المسلمين أن يطلبوا المسبّبات من أسبابها ، أي إن أخذتم حذركم أمنتم من عدوّكم . [ 103 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 103 ] فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ( 103 ) القضاء : إتمام الشيء كقوله : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [ البقرة : 200 ] . والظاهر من قوله : فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ أنّ المراد من الذكر هنا النوافل ، أو ذكر اللسان كالتسبيح والتحميد ، ( فقد كانوا في الأمن يجلسون إلى أن يفرغوا من التسبيح ونحوه ) ، فرخّص لهم حين الخوف أن يذكروا اللّه على كلّ حال والمراد القيام والقعود والكون على الجنوب ما كان من ذلك في أحوال الحرب لا لأجل الاستراحة . وقوله : فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ تفريع عن قوله : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ [ النساء : 101 ] إلى آخر الآية . فالاطمئنان مراد به القفول من الغزو ، لأنّ في الرجوع إلى الأوطان سكونا من قلاقل السفر واضطراب البدن ، فإطلاق الاطمئنان عليه يشبه أن يكون حقيقة ، وليس المراد الاطمئنان الذي هو عدم الخوف لعدم مناسبته هنا ، وقد تقدّم القول في الاطمئنان عند قوله تعالى : وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي من سورة البقرة [ 260 ] . ومعنى : فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ صلّوها تامّة ولا تقصروها ، هذا قول مجاهد وقتادة ، فيكون مقابل قوله : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [ النساء : 101 ] ، وهو الموافق لما تقدّم من كون الوارد في القرآن هو حكم قصر الصلاة في حال الخوف ، دون قصر السفر من غير خوف . فالإقامة هنا الإتيان بالشيء قائما أي تامّا ، على وجه التمثيل كقوله تعالى : وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ [ الرحمن : 9 ] وقوله : أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [ الشورى : 13 ] . وهذا قول جمهور الأئمّة : مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وسفيان . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يؤدّي المجاهد الصلاة حتّى يزول الخوف ، لأنّه رأى مباشرة القتال فعلا يفسد الصلاة . وقوله تعالى : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ إلى قوله : فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ [ النساء : 101 - 103 ] يرجح قول الجمهور ، لأنّ قوله تعالى : إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً مسوق مساق التعليل للحرص على أدائها في أوقاتها . والموقوت : المحدود بأوقات ، والمنجّم عليها ، وقد يستعمل بمعنى المفروض على طريق المجاز . والأول أظهر هنا .